التوصيلة
ـــــــــــــــــــــــــ
استيقظ عاشور علي صوت الهاتف الجوال ، أمسك به وهو يفرك عينيه ليري من المتصل ،كان علي الطرف الآخر صديقه الحميم دعبس ، سأله عاشور : ماذا تريد يازفت ، جاء صوت ضحكة دعبس في مجمل اجابته علي استفسار عاشور وقال : لدي زبونتين تريدان توصيلهما إلي الساحل الشمالي وسوف تدفعان مبلغا لا بأس به ، فقال عاشور : وايه المشكلة ما توصلهم ، فقاطعه دعبس قائلا : من هنا المشكلة وهذا ما جعلني اتصل بك الآن ، قال عاشور : في ايه يعني بالضبط لخص حوارك لأنني أريد النوم ، ثم سأله : هل سيارتك غير جاهزة لهذا الطلب وتريد سيارتي ؟ جاءت إجابة دعبس بالعكس السيارة في منتهي الجهوزية ،الأمر وما فيه أنني أخشي أن يغلبني النعاس في الطريق وأريدك معي نتسلي وفي نفس الوقت نستفاد من هذا الطلب وتخرج لك منه بقرشين ؟؟ كان عاشور مترددا ، ولكن دعبس ألح عليه في إصرار غريب ، ارتدي عاشور ملابسه وشرب كوب من الشاي ثم خرج لملاقاة دعبس أول الشارع ، دقائق ووصل دعبس ، ركب عاشور بجواره مشعلا سيجارة وراح يهرج معه كما أعتاد ثم سأله عن طبيعة هذا المشوار ، أخبره دعبس بأنه بعد مغادرته المقهي شاهد فتاة تقف بجوار سيارته وتسأل عن السائق ، توجه إليها وبكل أدب وزوق أخبرها بأنه هو السائق واستفسر منها عن الخدمة المطلوبة فأخبرته بأنها تريد الوصول هي وصديقتها إلي إحدي القري الساحلية في الساحل الشمالي ولديها الاستعداد لدفع المبلغ الذي يحدده ،سأله عاشور : وكم طلبت قال : مئتين من الجنيهات ، ابتسم عاشور وخرجت منه عبارة : يابن الايه مئتين !! فرد دعبس : أمال احنا لسنا هينين ياصاحبي ، وصلا إلي مكان الفتاتين واسترعي انتباه عاشور ملابسهما التي تكشف أكثر ما تستر ولكنه لم يفكر كثيرا وقال : ما دخلنا بملابسهما إنهما زبونتين ليس أكثر وما علينا إلا توصيلهما وأخذ ثمن التوصيل ، كانت الفتاة الأخري تحمل في يديها حقيبتين متوسطتين وضعتهما في المقعد الامامي خلف السائق وجلست هي في المقعد الأخير بينما صديقتها جلست في نفس المقعد بجوار الحقيبتين ، انطلق عاشور بالسيارة وجلس بجواره دعبس ، وقبل أن يصلا إلي بداية الطريق الساحلي الذي يؤدي إلي محافظة مطروح طلبت الفتاة التي تجلس في الخلف منه أن يسلك الطريق الدائري الذي يمر بمدينة برج العرب ، فقال لها عاشور مندهشا وفي نفس الوقت مستفسرا : ولماذا نسلك هذا الطريق الملتف والطويل بينما الطريق الساحلي مستقيم وفي نفس الوقت يقلل زمن الرحلة ؟ فأخبرته أن الطريق الساحلي مليىء بالكمائن المرورية وهي في الواقع لاتحمل معها إثبات شخصية وكذلك صديقتها ، ولا تريد لهما المضايقات من جانب الكمائن هذه ، نظر دعبس إلي عاشور نظرات غريبة متوجسة بعد أن شكا في هاتين الفتاتين ، اعتملت في عقل عاشور مجموعة من الافكار منها أنه يتوجه بهاتين الفتاتين إلي أقرب قسم شرطة ويبلغ عنهما ولكن تراجع عن هذا القرار لاعتبارات منها أنهما فتاتين والثاني ماذا سيقول في البلاغ ، وأخيرا قرر أكمال المسيرة عبر الطريق التي طلبت الفتاة منه المرور من خلالها ، السيارة كانت تسير كما يسلك السكين في الزبد بسهولة ويسر ، وكان المسجل في السيارة تنبعث منه موسيقي شعبية الكل بلا استثناء متجاوب معها إما بالترديد أو بالتصفيق ، والهواء يدخل السيارة منعشا وجميلا ، وصل عاشور بالسيارة إلي مشارف الطريق الدولي الذي يخترق مدينة برج العرب وصولا إلي الساحل الشمالي ومنه إلي مدينة مرسي مطروح ، استلم الطريق وزاد من سرعة السيارة لمائة وعشرون كيلو متر في الساعة ، وبعد حوالي عشرة كيلو مترات في هذا الطريق لم يشعر عاشور بأي شيء ، فقد كانت السيارة تتقلب علي الأرض في دورات سريعة وقوية ،وغاب عنه المشهد تماما ، بعد مدة لا يعلم مداها أفاق علي ألم فظيع في ظهره ، ولم يكن يستطيع أن يحرك أي جزء في جسده ، كل الذي يدركه أنه فوق سرير في حجرة وبجانبه أمين شرطة وظابط برتبة ملازم أول ويده مكلبشة بالسرير الراقد فوقه ، في صعوبة بالغة بعد أن نظر حوله سأل عاشور أمين الشرطة عما حدث ،أجابه أمين الشرطة بعد أن وجه له نقدا مغلفا بالتهنئة : حمدا لله علي سلامتك أنت وزميلك !! انكتب لكما عمرا جديدا ، أثناء ذلك سمع عاشور صوتا يئن بالصراخ علي مقربة منه انه صوت دعبس ولكن أين هو فأدرك أنه خارج الحجرة الموجود بها ، اقترب منه ضابط الشرطة وطلب منه في هدوء أخباره بالضبط ماذا حدث منذ أن ركب السيارة وحتي وصوله هو وصديقه إلي المستشفي بكل دقة وتفصيل ، قص عاشور للضابط تفاصيل كل ما جري حتي انقلاب السيارة ولم يدري بما حدث بعدها ، سأل عاشور الضابط عن سبب وضع القيد الحديدي في يده فـأجابه الضابط لأنه ببساطة شديدة تحت الحراسة الشرطية لحين عرضه علي النيابة العامة بعد مصرع فتاة كانت معهما في السيارة ولا يدرون عنها شيئا ، لكن عاشور أخبر الضابط بأنه كانت معهما فتاتين وليست واحدة فأين ذهبت الأخري ؟؟؟ دخل الطبيب النوبتجي عليهما واستأذن من الضابط بضرورة نقل المريض لعمل الأشعات اللازمة والفحوصات لم يمانع الضابط ولكنه استأذن الطبيب عدة دقائق لاستكمال المحضر الذي بدأه منذ عدة دقائق فوافق الطبيب ،نقل عاشور إلي غرفة الآشعة تحت وطأة الألم الشديد وصرخاته التي أسمعت المستشفي وما حولها !! في أثناء ذلك ، ارتجت المستشفي بصرخات إمرأة تبدو في العقد الخامس من عمرها ، وهي تنتحب واتضح فيما بعد أنها أم القتيلة ، وبسؤالها عن ابنتها أجابت وهي تبكي بحرقة شديدة : نحن أسرة بسيطة من مدينة دمنهور ، وبالأمس فقط طلبت منها إبنتها التوجه إلي أختها المتزوجة في الإسكندرية لتمضي عندها بعض الوقت والتنزه فلم تمانع ، ومنذ ساعتين استدعتها الشرطة في دمنهور حيث أخبروها بالنبأ المؤسف فأتت ليتأكد لها الخبر الحزين !! من جهة أخري انتهي عاشور من عمل الفحوصات اللازمة وأمر الطبيب بضرورة نقله إلي المستشفي الجامعي بسبب كسر في فقرتين من العمود الفقري وضرورة إجراء الجراحة اللازمة لهاتين الفقرتين علي وجه السرعة لأن هذه المستشفي ليس بها الإمكانات اللازمة لإجراء مثل هذه العمليات وبالفعل نقل عاشور بسيارة الإسعاف إلي المستشفي تحت الحراسة المشددة !! وصل إلي المستشفي الجامعي وكانت عقارب الساعة تشير إلي الثانية صباحا بعد منتصف الليل ،المكان غاص بالناس وصرخات من هنا وهناك كان أشبه بالمسلخ !! انه عنبر طوارئ الحوادث ، حيث المناظر تقشعر منها الأبدان وتنفر منها النفوس ، بعد مدة من الزمن ودفع الرشاوي لعمال الأمن جاء الطبيب ، نظر إلي التقرير المصاحب لحالة عاشور ووقع بدخوله إلي قسم الجراحة ، بالفعل تم التوجه بعاشور إلي قسم الجراحة الذي يقع في الدور الرابع من المبني الجديد في المستشفي ، من حسن الحظ ، حجز عاشور في حجرة منفصلة عن باقي عنبر الجراحة ومعه الحراسة التي عينت عليه من قبل قسم شرطة برج العرب ، كانت التعليمات الصادرة للشرطي المكلف بحراسته أن يضع يد عاشور في القيد الحديدي ويعلق في السرير الراقد عليه ، وبعد شد وجذب ودفع المعلوم واقتناع الشرطي وافق علي حل قيده علي شرط إعادة القيد في حضور الضابط حين مروره فوافق الجميع ، كان الشرطي جالس علي كرسي بجوار عاشور ودار الحديث بينهما عن الحادث فأخبره الشرطي بأن نتيجة معاينة النيابة ومباحث القسم أكدت أن السيارة لم تنزلق بسبب سرعتها الكبيرة ولكن الذي حدث أن عامود الكردان الواصل من الماتور إلي كرونة السيارة قد حلت براغيه حيث كانت مخلخلة ما أدي إلي ما يشبه لعبة الزانة في ألعاب القوي وهذا ما جعل السيارة تنقلب للأمام عدة دورات ثم يستقر بها الحال لاحتضان إحدي شجرات النخيل الموجودة في منتصف الطريق كحاجز طبيعي بين الطريقين وتقوسها ، ما أدي إلي خروجك أنت وصديقك الذي كان بجوارك والفتاة التي كانت تجلس خلفكما والقائكما علي قارعة الطريق بينما الفتاة الأخري لم تستطع النجاة لجلوسها في الخلف وانحشارها عندما اصطدمت السيارة بالشجرة وهذا ما أدي إلي وفاتها ،أما الفتاة الاخري فبعد أن استردت وعيها استطاعت بمهارة غريبة أن تأخذ متعلقاتها واختفت من المشهد تماما ولم يعرف لها طريق ، حضر طبيب القسم وبعد اطلاعه علي الفحوصات قرر أن يجري العملية لعاشور بعد يومين في خلالهما يتم تجهيزه طبيا لذلك ، ازدادت حالة عاشور النفسية ألما خصوصا بعد أن علم أن صديقه دعبس خرج من المستشفي وهو سليم ولكنه يعاني من بعض الرضوض علي اثر الحادث وقد توجه بعد خروجه من المستشفي إلي النيابة المختصة وقد أخلي سبيله ، وقد أمرت النيابة بدفن جثة الفتاة لعدم وجود شبهة جنائية في مصرعها واعتبار ما حدث حادث عادي ، كانت هذه الأخبار بالنسبة لعاشور كالبلسم الذي يخفف من وطأة ألم الجراح ، فهدأت نفسه وهيئها للقادم حيث العملية الجراحية التي ينتظرها ، في اليوم المحدد لإجراء العملية وبعد تهيئته لإجرائها جاء القرار بتأجيلها لليوم التالي دون ابداء الأسباب ، مر اليوم علي عاشور بطيئا كئيبا مملا ،ونفس ما حدث بالأمس حدث اليوم وأيضا تم تأجيل العملية ليوم آخر ، هنا أسقط في يد عاشور بأنه إذا استمر الوضع علي هذا الحال لربما تكون نتائجه غير سارة خصوصا وأنه بدأ في عدم الشعور بأطرافه السفلية ، قرر هو وإخوته بأن يخرج من المستشفي علي مسؤليته والتوجه إلي مستشفي خاص وإجراء العملية علي حسابه الشخصي وهذا ما حدث بالفعل ولكن بعد دفع مبلغ باهظ تخطي العشرون ألف جنيه جاءت معظمها من معاونة الأهل والأقارب والأصدقاء ، بعد ثلاثة أيام من إجراء العملية ، اصطحب عاشور إلي مقر النيابة ببرج العرب ومن هناك أخلي سبيله كما تم مع صديقه دعبس ، وكانت فرحة الاهل والاصدقاء بنجاته الطبية والقانونية لا توصف .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بقلمي / محمود مسعود ( قصة قصيرة حقيقية ) 7/7/2016م
ـــــــــــــــــــــــــ
استيقظ عاشور علي صوت الهاتف الجوال ، أمسك به وهو يفرك عينيه ليري من المتصل ،كان علي الطرف الآخر صديقه الحميم دعبس ، سأله عاشور : ماذا تريد يازفت ، جاء صوت ضحكة دعبس في مجمل اجابته علي استفسار عاشور وقال : لدي زبونتين تريدان توصيلهما إلي الساحل الشمالي وسوف تدفعان مبلغا لا بأس به ، فقال عاشور : وايه المشكلة ما توصلهم ، فقاطعه دعبس قائلا : من هنا المشكلة وهذا ما جعلني اتصل بك الآن ، قال عاشور : في ايه يعني بالضبط لخص حوارك لأنني أريد النوم ، ثم سأله : هل سيارتك غير جاهزة لهذا الطلب وتريد سيارتي ؟ جاءت إجابة دعبس بالعكس السيارة في منتهي الجهوزية ،الأمر وما فيه أنني أخشي أن يغلبني النعاس في الطريق وأريدك معي نتسلي وفي نفس الوقت نستفاد من هذا الطلب وتخرج لك منه بقرشين ؟؟ كان عاشور مترددا ، ولكن دعبس ألح عليه في إصرار غريب ، ارتدي عاشور ملابسه وشرب كوب من الشاي ثم خرج لملاقاة دعبس أول الشارع ، دقائق ووصل دعبس ، ركب عاشور بجواره مشعلا سيجارة وراح يهرج معه كما أعتاد ثم سأله عن طبيعة هذا المشوار ، أخبره دعبس بأنه بعد مغادرته المقهي شاهد فتاة تقف بجوار سيارته وتسأل عن السائق ، توجه إليها وبكل أدب وزوق أخبرها بأنه هو السائق واستفسر منها عن الخدمة المطلوبة فأخبرته بأنها تريد الوصول هي وصديقتها إلي إحدي القري الساحلية في الساحل الشمالي ولديها الاستعداد لدفع المبلغ الذي يحدده ،سأله عاشور : وكم طلبت قال : مئتين من الجنيهات ، ابتسم عاشور وخرجت منه عبارة : يابن الايه مئتين !! فرد دعبس : أمال احنا لسنا هينين ياصاحبي ، وصلا إلي مكان الفتاتين واسترعي انتباه عاشور ملابسهما التي تكشف أكثر ما تستر ولكنه لم يفكر كثيرا وقال : ما دخلنا بملابسهما إنهما زبونتين ليس أكثر وما علينا إلا توصيلهما وأخذ ثمن التوصيل ، كانت الفتاة الأخري تحمل في يديها حقيبتين متوسطتين وضعتهما في المقعد الامامي خلف السائق وجلست هي في المقعد الأخير بينما صديقتها جلست في نفس المقعد بجوار الحقيبتين ، انطلق عاشور بالسيارة وجلس بجواره دعبس ، وقبل أن يصلا إلي بداية الطريق الساحلي الذي يؤدي إلي محافظة مطروح طلبت الفتاة التي تجلس في الخلف منه أن يسلك الطريق الدائري الذي يمر بمدينة برج العرب ، فقال لها عاشور مندهشا وفي نفس الوقت مستفسرا : ولماذا نسلك هذا الطريق الملتف والطويل بينما الطريق الساحلي مستقيم وفي نفس الوقت يقلل زمن الرحلة ؟ فأخبرته أن الطريق الساحلي مليىء بالكمائن المرورية وهي في الواقع لاتحمل معها إثبات شخصية وكذلك صديقتها ، ولا تريد لهما المضايقات من جانب الكمائن هذه ، نظر دعبس إلي عاشور نظرات غريبة متوجسة بعد أن شكا في هاتين الفتاتين ، اعتملت في عقل عاشور مجموعة من الافكار منها أنه يتوجه بهاتين الفتاتين إلي أقرب قسم شرطة ويبلغ عنهما ولكن تراجع عن هذا القرار لاعتبارات منها أنهما فتاتين والثاني ماذا سيقول في البلاغ ، وأخيرا قرر أكمال المسيرة عبر الطريق التي طلبت الفتاة منه المرور من خلالها ، السيارة كانت تسير كما يسلك السكين في الزبد بسهولة ويسر ، وكان المسجل في السيارة تنبعث منه موسيقي شعبية الكل بلا استثناء متجاوب معها إما بالترديد أو بالتصفيق ، والهواء يدخل السيارة منعشا وجميلا ، وصل عاشور بالسيارة إلي مشارف الطريق الدولي الذي يخترق مدينة برج العرب وصولا إلي الساحل الشمالي ومنه إلي مدينة مرسي مطروح ، استلم الطريق وزاد من سرعة السيارة لمائة وعشرون كيلو متر في الساعة ، وبعد حوالي عشرة كيلو مترات في هذا الطريق لم يشعر عاشور بأي شيء ، فقد كانت السيارة تتقلب علي الأرض في دورات سريعة وقوية ،وغاب عنه المشهد تماما ، بعد مدة لا يعلم مداها أفاق علي ألم فظيع في ظهره ، ولم يكن يستطيع أن يحرك أي جزء في جسده ، كل الذي يدركه أنه فوق سرير في حجرة وبجانبه أمين شرطة وظابط برتبة ملازم أول ويده مكلبشة بالسرير الراقد فوقه ، في صعوبة بالغة بعد أن نظر حوله سأل عاشور أمين الشرطة عما حدث ،أجابه أمين الشرطة بعد أن وجه له نقدا مغلفا بالتهنئة : حمدا لله علي سلامتك أنت وزميلك !! انكتب لكما عمرا جديدا ، أثناء ذلك سمع عاشور صوتا يئن بالصراخ علي مقربة منه انه صوت دعبس ولكن أين هو فأدرك أنه خارج الحجرة الموجود بها ، اقترب منه ضابط الشرطة وطلب منه في هدوء أخباره بالضبط ماذا حدث منذ أن ركب السيارة وحتي وصوله هو وصديقه إلي المستشفي بكل دقة وتفصيل ، قص عاشور للضابط تفاصيل كل ما جري حتي انقلاب السيارة ولم يدري بما حدث بعدها ، سأل عاشور الضابط عن سبب وضع القيد الحديدي في يده فـأجابه الضابط لأنه ببساطة شديدة تحت الحراسة الشرطية لحين عرضه علي النيابة العامة بعد مصرع فتاة كانت معهما في السيارة ولا يدرون عنها شيئا ، لكن عاشور أخبر الضابط بأنه كانت معهما فتاتين وليست واحدة فأين ذهبت الأخري ؟؟؟ دخل الطبيب النوبتجي عليهما واستأذن من الضابط بضرورة نقل المريض لعمل الأشعات اللازمة والفحوصات لم يمانع الضابط ولكنه استأذن الطبيب عدة دقائق لاستكمال المحضر الذي بدأه منذ عدة دقائق فوافق الطبيب ،نقل عاشور إلي غرفة الآشعة تحت وطأة الألم الشديد وصرخاته التي أسمعت المستشفي وما حولها !! في أثناء ذلك ، ارتجت المستشفي بصرخات إمرأة تبدو في العقد الخامس من عمرها ، وهي تنتحب واتضح فيما بعد أنها أم القتيلة ، وبسؤالها عن ابنتها أجابت وهي تبكي بحرقة شديدة : نحن أسرة بسيطة من مدينة دمنهور ، وبالأمس فقط طلبت منها إبنتها التوجه إلي أختها المتزوجة في الإسكندرية لتمضي عندها بعض الوقت والتنزه فلم تمانع ، ومنذ ساعتين استدعتها الشرطة في دمنهور حيث أخبروها بالنبأ المؤسف فأتت ليتأكد لها الخبر الحزين !! من جهة أخري انتهي عاشور من عمل الفحوصات اللازمة وأمر الطبيب بضرورة نقله إلي المستشفي الجامعي بسبب كسر في فقرتين من العمود الفقري وضرورة إجراء الجراحة اللازمة لهاتين الفقرتين علي وجه السرعة لأن هذه المستشفي ليس بها الإمكانات اللازمة لإجراء مثل هذه العمليات وبالفعل نقل عاشور بسيارة الإسعاف إلي المستشفي تحت الحراسة المشددة !! وصل إلي المستشفي الجامعي وكانت عقارب الساعة تشير إلي الثانية صباحا بعد منتصف الليل ،المكان غاص بالناس وصرخات من هنا وهناك كان أشبه بالمسلخ !! انه عنبر طوارئ الحوادث ، حيث المناظر تقشعر منها الأبدان وتنفر منها النفوس ، بعد مدة من الزمن ودفع الرشاوي لعمال الأمن جاء الطبيب ، نظر إلي التقرير المصاحب لحالة عاشور ووقع بدخوله إلي قسم الجراحة ، بالفعل تم التوجه بعاشور إلي قسم الجراحة الذي يقع في الدور الرابع من المبني الجديد في المستشفي ، من حسن الحظ ، حجز عاشور في حجرة منفصلة عن باقي عنبر الجراحة ومعه الحراسة التي عينت عليه من قبل قسم شرطة برج العرب ، كانت التعليمات الصادرة للشرطي المكلف بحراسته أن يضع يد عاشور في القيد الحديدي ويعلق في السرير الراقد عليه ، وبعد شد وجذب ودفع المعلوم واقتناع الشرطي وافق علي حل قيده علي شرط إعادة القيد في حضور الضابط حين مروره فوافق الجميع ، كان الشرطي جالس علي كرسي بجوار عاشور ودار الحديث بينهما عن الحادث فأخبره الشرطي بأن نتيجة معاينة النيابة ومباحث القسم أكدت أن السيارة لم تنزلق بسبب سرعتها الكبيرة ولكن الذي حدث أن عامود الكردان الواصل من الماتور إلي كرونة السيارة قد حلت براغيه حيث كانت مخلخلة ما أدي إلي ما يشبه لعبة الزانة في ألعاب القوي وهذا ما جعل السيارة تنقلب للأمام عدة دورات ثم يستقر بها الحال لاحتضان إحدي شجرات النخيل الموجودة في منتصف الطريق كحاجز طبيعي بين الطريقين وتقوسها ، ما أدي إلي خروجك أنت وصديقك الذي كان بجوارك والفتاة التي كانت تجلس خلفكما والقائكما علي قارعة الطريق بينما الفتاة الأخري لم تستطع النجاة لجلوسها في الخلف وانحشارها عندما اصطدمت السيارة بالشجرة وهذا ما أدي إلي وفاتها ،أما الفتاة الاخري فبعد أن استردت وعيها استطاعت بمهارة غريبة أن تأخذ متعلقاتها واختفت من المشهد تماما ولم يعرف لها طريق ، حضر طبيب القسم وبعد اطلاعه علي الفحوصات قرر أن يجري العملية لعاشور بعد يومين في خلالهما يتم تجهيزه طبيا لذلك ، ازدادت حالة عاشور النفسية ألما خصوصا بعد أن علم أن صديقه دعبس خرج من المستشفي وهو سليم ولكنه يعاني من بعض الرضوض علي اثر الحادث وقد توجه بعد خروجه من المستشفي إلي النيابة المختصة وقد أخلي سبيله ، وقد أمرت النيابة بدفن جثة الفتاة لعدم وجود شبهة جنائية في مصرعها واعتبار ما حدث حادث عادي ، كانت هذه الأخبار بالنسبة لعاشور كالبلسم الذي يخفف من وطأة ألم الجراح ، فهدأت نفسه وهيئها للقادم حيث العملية الجراحية التي ينتظرها ، في اليوم المحدد لإجراء العملية وبعد تهيئته لإجرائها جاء القرار بتأجيلها لليوم التالي دون ابداء الأسباب ، مر اليوم علي عاشور بطيئا كئيبا مملا ،ونفس ما حدث بالأمس حدث اليوم وأيضا تم تأجيل العملية ليوم آخر ، هنا أسقط في يد عاشور بأنه إذا استمر الوضع علي هذا الحال لربما تكون نتائجه غير سارة خصوصا وأنه بدأ في عدم الشعور بأطرافه السفلية ، قرر هو وإخوته بأن يخرج من المستشفي علي مسؤليته والتوجه إلي مستشفي خاص وإجراء العملية علي حسابه الشخصي وهذا ما حدث بالفعل ولكن بعد دفع مبلغ باهظ تخطي العشرون ألف جنيه جاءت معظمها من معاونة الأهل والأقارب والأصدقاء ، بعد ثلاثة أيام من إجراء العملية ، اصطحب عاشور إلي مقر النيابة ببرج العرب ومن هناك أخلي سبيله كما تم مع صديقه دعبس ، وكانت فرحة الاهل والاصدقاء بنجاته الطبية والقانونية لا توصف .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بقلمي / محمود مسعود ( قصة قصيرة حقيقية ) 7/7/2016م
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق