سائق تكسي
ربيع عام 1999 كنت أعمل سائق تكسي وخياري كان الليل لعشقي له وللوحدة وقبيل الفجر بقليل استوقفني شاب وإلى جواره زوجته تحمل طفلة، في شيراتون دمشق قائلا جرمانا ( أحد أحياء ريف دمشق ) قلت : تفضل ففتح الباب الخلفي لزوجته دونما انتظار صعودها وقفز إلى جواري ملتفتاً للخلف وتسربت منه رائحة كحول فاخر
وهو يقول لزوجته هيا اسرعي وهي تحاول الصعود بتئدة لئلا تزعج طفلتها النائمة، وكرر النداء.. هيا بنفاذ صبر... وتمتم وهو يسترد وجهه للأمام... تخالين نفسك سالومي.. ههه... ولولاك لم نر زرادشت!! فلم أتمالك نفسي من الضحك بحشمة ( وكان نيتشه قد كتب رائعته هكذا تكلم زرادشت بعد تخلي الشاعرة الروسية لو سالومي عنه فسرا في الأوساط الأدبية أن تخليها عنه ما أخرج الكتاب إلى النور ) فنظر إلي باستغراب ... فأردفت ضحكتي قائلاً : ولكنها سيرته الذاتية وكان سيكتبها عاجلاً أو آجلاً بسالومي أو بدونها فازداد اتساع عينيه وخلت أن عيناه المتسعتان قد قفزتا لقمة جبهته وارتبك ولم يقل شيئاً... ومضينا باتجاه جرمانا... وبعد دقائق استعاد جأشه وابتدأ الحوارية التالية :
قائلا:كنا بحفل زواج قريب زوجتي...ألزموني ببضعة أقداح.
فقلت : ألف مبروك..... ولم ينبس ببنت شفة..ومن ثم بادر يحدث نفسه بصوت قريب من التمتمة :
_ حياتي استهلكت بدوني. ( قول شهير لألبير كامو كاتب وفيلسوف فرنسي الأب وليد ضيعة من ضيع الجزائر)
فرددت عليه بنفس نبرته:
قائلاً _ أنا أتمرد إذا نحن موجودون.( كامو )
فقال _ نحن جميعا حالات خاصة. (كامو)
فقلت_ إن الخوَر يصيب المثقفين أكثر من غيرهم، لا لأنهم أقل شجاعةً، بل أكثر خيالا. ( كامو)
فالتفت إلي قائلا : أخطأ هنا فالحاجة ماتصيب بالخور.... وليس الخيال. وأردف... ماهي درجتك العلمية؟؟؟
فقلت _ ما يكفي لأعرف أن أغلب الجامعيين في مجتمعاتنا نصف أميين وإن أحسنَّا الظن فنصف متعلمين.
فقال _ لم تجبني.. أ... أ.. عذرا... لا أريد احراجك!!
فقلت _ ليس من إحراج.... هي الإبتدائية....
فقال _ تهتم بالفلسفة وروادها إذن؟؟ أتهوى الفلسفة؟؟
(يغمز من طرف خفي لضحالة تحصيلي الأكاديمي.. مما استثارني).
فقلت _ ليس حكراً... فكل فكر علمي أو أدبي يستهويني وأقرض الشعر أيضا... فقد صاحبت الفراهيدي ردحا... وفرويد... وصادقت كارل ساغان.... وولسن.... وأعتبر نفسي أفضل من كثيرين درسوا هؤلاء العباقرة ولا تظنها أنانية أو ادعاء... ولكني أفخر بما أنا عليه، فقد ولدت في أسرة فقيرة واللقمة عندها أهم من الدراسة ورغم أن الدراسة في بلدي غير مكلفة فلم أحصل على الموافقة من الأهل لحاجتهم ليد عاملة ومنتجة... وتعلقت بالعلم والأدب وكل ما حرمت منه... كنت أدخر مصروفي وأحرم نفسي من كل شيء لشراء كتاب... لذا اهتمامي وليد الحب وليس شهادة تعلق على جدار.
فقال _ أمتزوج أنت؟
فقلت _ ولدي ثلاثة أطفال، وأعيش بغرفة في بيت العائلة.
فقال _ أمازلت تقرأ؟
فقلت _ يومياً ولا أستطيع النوم دون القراءة.
فقال _ ومتى تسنح لك الفرصة بثلاثة أطفال وغرفة واحدة؟
فقلت_ صباحاً بعد انتهائي من العمل أعود والجميع نيام فأستغل الهدوء المتاح.
وكنا قد وصلنا إلى مكان نزوله.
فقال _ مارأيك بفنجان قهوة؟
فقلت _ اعذرني لا أستطيع.... مال الغير برقبتي. وهذا خيانة للأمانة.
( كوني أعمل على التكسي بالنسبة.. وهذا نوع من أنواع التعامل بين المالك والسائق)
فقال _ أدفع لك أجر ليلة كاملة.
فقلت _ أيضاً اعذرني... فلو شربناها لن أستطيع أخذ مالك... فضميري لا يسمح. فالتفت إلى زوجته
قائلاً_ دقائق وألحق بك... فمضت زوجته بمتابعة من كلانا حتى ابتلعها مدخل البناية بنوره الشاحب . فالتفت وقال: _ ممكن سؤال شخصي.... لو فرضنا وجدت من يقدم لك منزلاً... فما تقول..فأجبت... بسرعة وبشكل قاطع
_ أرفض قطعاً فليس هناك اليوم من يقدم على ذلك بدون مقابل.... ولست مستعداً لبيع نفسي قبال أي شيء.... ولهول المفاجأة أجهش بالبكاء بحرقة غريبة ونشيجاً....ويقول: أنا الغبي... أنا الغبي.. كان يجب أن أرفض، ففهمت من إيحاءاته بأنه وكما نقول بالشامي
( صهر بيت) وحاولت جاهداً أن أخفف عنه....
وقلت له : أتعرف ببعض الحالات نضطر للتنازل عن بعض المبادئ، فعندما يستوقفني شرطي مرور ولم أدفع له أعلم بأنه سيلزمني مخالفة مرورية تفوق رشوته بعدة مرات والحاجة تدفعني لرشوته دفعا، رغم رفضي القاطع للرشوة.... ففاجأني بسؤال آخر من بين دموعه .
_ والحل؟؟؟
فقلت _ أقدمت على ما أقدمت لظرف ما لا أعرفه فجد واجتهد لترد ماعليك.... وتسترد ماسلب منك... فهز رأسَـهُ هزة من لا يرى فجراً سيبزغ في حلكة ليله.... ودفع لي الأجر مع إكرامية جيدة واستل بضعة محارم من علبة السيارة ومضى يمسح عينيه حتى غاب في النور الشاحب.... وحولت بصري للأفق البعيد فكان اللون القرمزي يصبغ صفحة السماء وخيوط الشمس الأولى تتسلل بتؤدة ، فقلت في نفسي ستشرق من جديد ولن تنتظر أحداً... أو تتخلف... وهناك في رحم العتمه... تقبع روحاً مقهورة... واسم جديد يدون على صفحة انهيار القيم الإنسانية.
وهو يقول لزوجته هيا اسرعي وهي تحاول الصعود بتئدة لئلا تزعج طفلتها النائمة، وكرر النداء.. هيا بنفاذ صبر... وتمتم وهو يسترد وجهه للأمام... تخالين نفسك سالومي.. ههه... ولولاك لم نر زرادشت!! فلم أتمالك نفسي من الضحك بحشمة ( وكان نيتشه قد كتب رائعته هكذا تكلم زرادشت بعد تخلي الشاعرة الروسية لو سالومي عنه فسرا في الأوساط الأدبية أن تخليها عنه ما أخرج الكتاب إلى النور ) فنظر إلي باستغراب ... فأردفت ضحكتي قائلاً : ولكنها سيرته الذاتية وكان سيكتبها عاجلاً أو آجلاً بسالومي أو بدونها فازداد اتساع عينيه وخلت أن عيناه المتسعتان قد قفزتا لقمة جبهته وارتبك ولم يقل شيئاً... ومضينا باتجاه جرمانا... وبعد دقائق استعاد جأشه وابتدأ الحوارية التالية :
قائلا:كنا بحفل زواج قريب زوجتي...ألزموني ببضعة أقداح.
فقلت : ألف مبروك..... ولم ينبس ببنت شفة..ومن ثم بادر يحدث نفسه بصوت قريب من التمتمة :
_ حياتي استهلكت بدوني. ( قول شهير لألبير كامو كاتب وفيلسوف فرنسي الأب وليد ضيعة من ضيع الجزائر)
فرددت عليه بنفس نبرته:
قائلاً _ أنا أتمرد إذا نحن موجودون.( كامو )
فقال _ نحن جميعا حالات خاصة. (كامو)
فقلت_ إن الخوَر يصيب المثقفين أكثر من غيرهم، لا لأنهم أقل شجاعةً، بل أكثر خيالا. ( كامو)
فالتفت إلي قائلا : أخطأ هنا فالحاجة ماتصيب بالخور.... وليس الخيال. وأردف... ماهي درجتك العلمية؟؟؟
فقلت _ ما يكفي لأعرف أن أغلب الجامعيين في مجتمعاتنا نصف أميين وإن أحسنَّا الظن فنصف متعلمين.
فقال _ لم تجبني.. أ... أ.. عذرا... لا أريد احراجك!!
فقلت _ ليس من إحراج.... هي الإبتدائية....
فقال _ تهتم بالفلسفة وروادها إذن؟؟ أتهوى الفلسفة؟؟
(يغمز من طرف خفي لضحالة تحصيلي الأكاديمي.. مما استثارني).
فقلت _ ليس حكراً... فكل فكر علمي أو أدبي يستهويني وأقرض الشعر أيضا... فقد صاحبت الفراهيدي ردحا... وفرويد... وصادقت كارل ساغان.... وولسن.... وأعتبر نفسي أفضل من كثيرين درسوا هؤلاء العباقرة ولا تظنها أنانية أو ادعاء... ولكني أفخر بما أنا عليه، فقد ولدت في أسرة فقيرة واللقمة عندها أهم من الدراسة ورغم أن الدراسة في بلدي غير مكلفة فلم أحصل على الموافقة من الأهل لحاجتهم ليد عاملة ومنتجة... وتعلقت بالعلم والأدب وكل ما حرمت منه... كنت أدخر مصروفي وأحرم نفسي من كل شيء لشراء كتاب... لذا اهتمامي وليد الحب وليس شهادة تعلق على جدار.
فقال _ أمتزوج أنت؟
فقلت _ ولدي ثلاثة أطفال، وأعيش بغرفة في بيت العائلة.
فقال _ أمازلت تقرأ؟
فقلت _ يومياً ولا أستطيع النوم دون القراءة.
فقال _ ومتى تسنح لك الفرصة بثلاثة أطفال وغرفة واحدة؟
فقلت_ صباحاً بعد انتهائي من العمل أعود والجميع نيام فأستغل الهدوء المتاح.
وكنا قد وصلنا إلى مكان نزوله.
فقال _ مارأيك بفنجان قهوة؟
فقلت _ اعذرني لا أستطيع.... مال الغير برقبتي. وهذا خيانة للأمانة.
( كوني أعمل على التكسي بالنسبة.. وهذا نوع من أنواع التعامل بين المالك والسائق)
فقال _ أدفع لك أجر ليلة كاملة.
فقلت _ أيضاً اعذرني... فلو شربناها لن أستطيع أخذ مالك... فضميري لا يسمح. فالتفت إلى زوجته
قائلاً_ دقائق وألحق بك... فمضت زوجته بمتابعة من كلانا حتى ابتلعها مدخل البناية بنوره الشاحب . فالتفت وقال: _ ممكن سؤال شخصي.... لو فرضنا وجدت من يقدم لك منزلاً... فما تقول..فأجبت... بسرعة وبشكل قاطع
_ أرفض قطعاً فليس هناك اليوم من يقدم على ذلك بدون مقابل.... ولست مستعداً لبيع نفسي قبال أي شيء.... ولهول المفاجأة أجهش بالبكاء بحرقة غريبة ونشيجاً....ويقول: أنا الغبي... أنا الغبي.. كان يجب أن أرفض، ففهمت من إيحاءاته بأنه وكما نقول بالشامي
( صهر بيت) وحاولت جاهداً أن أخفف عنه....
وقلت له : أتعرف ببعض الحالات نضطر للتنازل عن بعض المبادئ، فعندما يستوقفني شرطي مرور ولم أدفع له أعلم بأنه سيلزمني مخالفة مرورية تفوق رشوته بعدة مرات والحاجة تدفعني لرشوته دفعا، رغم رفضي القاطع للرشوة.... ففاجأني بسؤال آخر من بين دموعه .
_ والحل؟؟؟
فقلت _ أقدمت على ما أقدمت لظرف ما لا أعرفه فجد واجتهد لترد ماعليك.... وتسترد ماسلب منك... فهز رأسَـهُ هزة من لا يرى فجراً سيبزغ في حلكة ليله.... ودفع لي الأجر مع إكرامية جيدة واستل بضعة محارم من علبة السيارة ومضى يمسح عينيه حتى غاب في النور الشاحب.... وحولت بصري للأفق البعيد فكان اللون القرمزي يصبغ صفحة السماء وخيوط الشمس الأولى تتسلل بتؤدة ، فقلت في نفسي ستشرق من جديد ولن تنتظر أحداً... أو تتخلف... وهناك في رحم العتمه... تقبع روحاً مقهورة... واسم جديد يدون على صفحة انهيار القيم الإنسانية.
( صهر بيت تعني من تزوج إحداهن لمالها أو مال أبيها)
مع تحياتي..... بقلمي# محمد مازن #

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق